السيرة الشخصية
شعر
روايات
مقالات
مسرح
تحقيقات
رسائل
آراء
تقارير اذاعة العراق الحر
اصدارات
النشر في المواقع
ملفات فيديو
في نقابة الصحافيين
جلسة وفاء عبد الرزاق
جلسة محمد صالح عبد الرضا
في قناة الحرة عراق
الموسيقار علي نجم
تكريم بيت الحكمة
 

صور متفرقة
مسرحيات 2012
عنبر سعيد رواية 2010-2012
كل جسدي مشاع
لا احد قبل الاوان -شعر 1998
مخابئ- شعر 2000
مخابئ -الغلاف الاخير
قراءات شعرية

تلوث سكاني!

في الدائرة - جريدة المنارة-9/23/2008

مثلكم تماماً كنت اظن ان التغيير السياسي سيؤثر إيجاباً على الإنسان فيما اذا كان ذلك التغيير نحو الأحسن والأفضل.. ومثلكم تماماً كنت أظن ان السنوات الماضية التي ولت الى غير رجعة ستأخذ كل الأدران معها وتترك مجتمعاً خالياً من كل ما يعكر صفوها..
ومثلكم تماماً كنت أرى العراقي كبيراً في كل شيء.. نزيهاً، لا تأخذه في الحق لومة لائم.. وكنت أرى قامته مثل الجبال الشماء..
مثلكم تماماً كنت أظن أن الردئ لا يمكن أن يؤثر على الجيد.. والخبيث لا يمكن أن يجر الطيّب خاصة في وضع العراقيين..
ومثلكم تماماً كنت أرى أن الريف الذي كان يغطي مساحات واسعة من ارض السواد (السواد هنا لا يعني خير الزراعة أنما كثرة اليافطات السوداء حزناً على عراقيين مقتولين) أراه وقد أرسى تلك العادات والتقاليد الإنسانية الرائعة والقيم النبيلة في مجتمع المدينة بينما تحتفظ المدينة بما لديها من قيم التحضر دون أن تتأثر قيد أنملة بما موجود من تقاليد عشائرية يمكن تصنيفها بأنها لا تتلائم والحاضر العراقي..
مثلكم تماماً كنت أظن ان العراقيين سيكونون أكثر تسامحاً وألفة ومحبة خاصة وهم جميعهم قد ذاقوا مرارة الأنظمة المتسلطة.. وكنت أظن ان العراقي اذا ما رأى أخاه فأنه سيقف إلى جانبه في السراء والضراء.. وأنه سيكون خير عون له..
هكذا كنت أظن، وكلما التقيت بضعيف نفس وأناني اقول ربما سأجد من هو أفضل منه لكني أقع بين يدي من هو أكثر دناءة وقبحاً..
المؤلم جداً ان زيارتي الأخيرة الى البصرة أكدت لي أن ما كنت أظنه لم يكن صحيحاً وأن الغرباء استطاعوا حقاً أن يقتلوا الروح العراقية وأن دافع العنف موجود في كل الوجوه التي رأيتها في الشارع والحافلة والمطاعم وغير ذلك حتى أن الطيبين من العراقيين الأصلاء قد ذابوا وسط ذلك اليم العنيف من القذارة التي جاءتنا من هنا وهناك ولم يعد لهم أي تأثير..
أخلاق البصرة استبيحت، وقُتِلت تلك الرحمة البصرية بمخالب الغرباء.. بالضبط مثلما قتلت عذوبة مياه شط العرب بأملاح غريبة من دول غريبة!
الحب في البصرة صادره الواهمون بموت المدينة.. والألفة فيها أضحت ضرباً من الخيال وسط هذا الضجيج المزعج.. كل شيء تغيّر والآلة العسكرية لا تفرق بين هذا وذاك.. وما بقي من خير يخبئه أهله خشية ان تغتاله يد آثمة.. والفرح الذي كان مشاعاً في المدينة أصبح مثل المنشورات أو ما نطلق عليه (المناشير) يوزع بسرية تامة خوفاً من خفافيش الظلام..
هكذا وجدت البصرة رغم أن أهلها القدامى (القلة اليوم) قد ارتكنوا بعيداً عن الأنظار تاركين الملعب لمن ينتظر لحظة الانقضاض على ما بقي فيها من طهر.
المدينة تعجّ بالكارهين.. وتعجّ بالمتطفلين والمخترقين لأسوارها في جنح الظلام.. وهي تموت ببطء بينما يغادرها كل يوم خيرة الأبناء الى المنافي ليحل محلهم غرباء يحملون أفكاراً من القرون الوسطى.. وما ان تتحدث مع أحد او تتعامل مع سائق لتعرف مدى الكره الذي وصلنا اليه.. فلا رحمة لهذا ولا عطف لصغير ولا احترام لكبير!!
أهل البصرة اصبحوا قلّة.. فنسبة التلوث السكاني وصلت الى مدى كبير..
الطيبون غادروا.. وحده الخبث (يلعب بالساحة) – وعذراً لمن لا يعنيهم الأمر!-
أقول للبصريين: حسبكم تأريخكم المشرف، لا تدعوا القذارات تقتحم أسواركم العالية الحصينة.. لا تظنوا أن من يجيئكم (مكشراً) نيوبه ضاحكاً مرحّباً .. فالابتسامات الصفراء تخفي مؤامرات سوداء (ولسنا من مؤيدي نظرية المؤامرة).. لكنها الحقيقية المرّة..
احموا مدينتكم من التلوث السكاني.. كما تحمونها من التلوث البيئي! اجعلوا من بيوتكم (فلاتر) تنقّي المدينة من شوائب القادمين من بقاع قريبة..
البصرة ستعود.. مثلما كانت، عزيزة طاهرة وطيبة.