السيرة الشخصية
شعر
روايات
مقالات
مسرح
تحقيقات
رسائل
آراء
تقارير اذاعة العراق الحر
اصدارات
النشر في المواقع
ملفات فيديو
في نقابة الصحافيين
جلسة وفاء عبد الرزاق
جلسة محمد صالح عبد الرضا
في قناة الحرة عراق
الموسيقار علي نجم
تكريم بيت الحكمة
 

صور متفرقة
مسرحيات 2012
عنبر سعيد رواية 2010-2012
كل جسدي مشاع
لا احد قبل الاوان -شعر 1998
مخابئ- شعر 2000
مخابئ -الغلاف الاخير
قراءات شعرية

خرائب الحرب : بقايا زمن الخراب (ريبورتاج)

الناس الأثنين 30/10/ 2006


ملاحظة : لا تدعوا اطفالكم يرون المشهد!
حين اتخذ الطيّار الأمريكي قراره ألأخير بالضغط على زر الاطلاق الموجود امامه في كابينة طائرته الحاملة احدث ما توصّل اليه عقل الشر من اسلحة دمار شامل ونعني بها القنبلة الذريّة، وضغط باعصاب باردة مفتاح قيامة هيروشيما اليابانيّة وراح يتابع بنظراتهِ تلك الكتلة الكبيرة المندفعة نحو الأرض، ما كان ليصدّق أنّ دماراً هائلاً سيلحق بالمدينة أكملها حتى رأى بام عينيهِ نقطة الأرض وقد غطّتها سحابة هائلة.. هل كان يعرف ما كان يجري لحظتها على الأرض حين تحوّلت البنايات الى هياكل شبحيّة تضم داخلها أجساد بشريّة محترقة.
هذه الصورة التي لم تمر مناسبة للحديث عن الحرب دون أن تُذكر، اضحت شاهداً على كل مآسي الانسانيّة.. ورغم أنّ هيروشيما قد بُنيت من جديد وكذلك قرينتها في تلك القيامة ناكازاكي الا أن بقايا من تلك الفاجعة قد تُركَ للأجيال اللاحقة وهو أمر ذو ابعاد سياسية بحتة تشير الى رعونة الآخر واستهانتهِ بالانسانيّة رغم ما يرفعهُ من شعارات هي على نقيض من فعلته تلك.
وتقول الدراسات أنّ ما صبَّ على (رأس) بغداد من قنابل وصواريخ ونيران مختلفة يُعادل أضعاف تلك القنبلة التي وضعت حدّاً للحرب الكونيّة الثانية.. وخرائب بغداد تلك وقريناتها مدن العراق الكبيرة والصغيرة الأخرى هي بعض ما خلّفتهُ الحروب المتتالية من زمن مليء بالخرابِ والدمار!
• هياكل وشعارات :
في حمى الأخبار المنقولة من العراق في الأسابيع الأولى للحرب، استغربتِ إحدى القنوات الفضائية العربيّة مما ينقلهُ مراسلها من أخبار وخاصة فيما يتعلّق بمقاومة شعب العراق للقوات (الغازية) وتساءلت تلك القناة بألم مخاتل ٍ: هل من المعقول ان يفضّل العراقيّون الاحتلال على صدام؟!..
هذه حقيقة، وهناك حقيقة أخرى وهي أن عدداً من معارفنا الجنود والذين هم ضمن ألوية الحرس الجمهوري (وهي قوات معروف ولاء قادتها للنظام) ومنها قوات النداء وحمورابي والمدينة المنوّرة قد منحهم ضبّاطهم كتباً رسمية (وهميّة) بحجة مراجعة تجانيدهم ذلك لتسهيل أمر عبورهم السيطرات المنتشرة في أرجاء العراق ولكي لا يقعوا في أيدي فرق الإعدام فقد قال لي جندي من قوات النداء أن آمره قال له وهو يسلّمه كتاب التجنيد الوهمي : ما ذنبكم تموتون في حربٍ خاسرة!
هكذا سقط النظام ، وبسهولة جداً، أثارت استغراب كثيرين، أصدقاء وأعداء.. نقول سقط النظام ولا نؤيد كثير من المحللين السياسيين العرب والعراقيين ايضاً الذين يسمّون يوم 9 ابريل يوم سقوط بغداد، فبغداد لم تسقط أبداً فهي حاضرة الدنيا، والذي سقط في ذلك اليوم هو النظام.
سقط النظام وبقيت مدن العراق، بأناسها، وذكريات ضحاياها، من مقتولين ومشرّدين، وبقيت آثار الدمار الهائل الذي لحق بالأرض، أينما وجهت وجهك ستجد أثراً لقذيفة هنا، وأخرى هناك.. هل تستطيع استعادة الأمس القريب وأنت تنظر الى ثقب كبير سبّبته شظيّة اختارت ذلك المكان، هل تستطيع استرجاع وجه الأمس بدفقاته، وصراخه، وما الى ذلك من عواطف وأحباء.. أنّ هياكل المباني الذي كانت في يوم ما وكراً للجلاّدين ما زالت شاخصة وسط مدننا.. وهي تزيد من ألمنا حتى وإن لطّخنا حيطانها بشعارات (الديمقراطيّة) الجديدة، فهل يستطيع شعار (لا دكتاتورية بعد اليوم)أن يُعيد روح طفلٍ زُهِقَت.. أو يستطيع شعار (تبّاً لصانعي المقابر الجماعيّة) ان يمسح عن ذاكرتنا تلك الصور المأساويّة التي كنّا نعيشها ونحن نبحث في الأرض هنا وهناك عن قبورٍ بلا شواهد؟!.
رجل من سكنة منطقة الحكيمية قال: دار ضيافة صدام تقع قبالة دورنا، وهي الآن مجرد خرائب، كل يوم صباحاً انظر الى المبنى الذي كان في يوم ما مترعاً لجلاوزة النظام وصار اليوم خرائب.. مجرّد خرائب!!
وطالب من العطيرية قال: أنها تذكرنا بكل شيء.. وهذا المبنى (وأشار الى الدائرة التي كانت في يوم ما مقرا لفدائيي صدام) كانت تمارس فيه شتى انواع التعذيب والترهيب بحق الناس.. نتمنى أن تُمسح هذه المباني عن وجه الأرض لكي لا نكون مشدودين للماضي من خلالها.
• اصوات العالم السفلي :
عندما صُدِمَ جلجامش بالموت، ورأى بأم عينيهِ وجه صديقهِ انكيدو وقد أخذ الدود منه مأخذاً، راح يفتّشُ عن عشبة الخلود، هذا ما تقوله الأسطورة، ومثل جلجامش نحن خرجنا نبحثُ عن أخوة لنا في سجونٍ تحت الأرض، كان ذلك في الأيام الأولى بعد سقوط النظام، فهنا نضع آذاننا على الأرض عسى أن نسمع صوتاً يدلّنا على مَنْ غيّبهم الجلاّدون حتى تخيّلنا أن تحت أرض العراق أجمعها سجناً كبيراً رغم أنّ العراق كان حقيقة سجناً كبيراً، حقيقيّاً وليس بالمعنى المجازي.
في واحد من مهرجانات المربد، وكنت قد قاطعت جميع دوراته آنذاك، زارتني في المقهى الشاعرة الفلسطينية مريم الصيفي كما كانت تزورني في فترة انعقاد كل دورة للمربد، في العام الأخير كان معها شخص حمل باج (العلاقات العامة)، ومن باب الاعتذار أخبرتني الصيفي أنها مشغولة طيلة الأشهر الماضية بالتضامن مع العراقيين في الخارج لكنني أجبتها وبألم: (وكيف بنا نحن السجناء في الداخل؟) شعرت حينها أنني أوقعتها بإحراج في وقت كان ذلك الشخص يرمقني فيه بنظرات ثاقبة (اخبرني فيما بعد أحد الأصدقاء أن الرجل من مخابرات النظام).. هذا السجن الكبير صار يضمّنا جميعاً، حتى جاء اليوم الذي خرجنا فيه نبحث عن احبّتنا تحت الأرض.
أتذكّر الآن ساحة دائرة الأمن، كانت جموع الناس تبحث هنا وهناك، عن منفذٍ للولوج الى أسفل.. قال رجلٌ: (سمعتُ أنيناً يمرُّ عبر تلك الأنابيب) وأشار الى أربعة أنابيب ثبتت بأحكام في الأرض، فتجمّع الناس وراحوا يصيحون في فوّهات الأنابيب ولكن (لا حياة لمن تنادي!).
واحدة من القصص تقول أن كثيرين أخرجوا من سجنٍ تحت أرض دار الضيافة الرئاسي!! وأخرى تقول أنهم أخرجوا عدداً من السجناء من سجنٍ تحت أرض قيادة القوة البحرية... وهكذا بدأت الحكايات في كل أرجاء العراق.. لكننا والحق كنّا نعيش جميعنا في عالم سفلي!!.
• كانَ هنا سجن :
في الطريق المؤدية الى ساحة سعد في مدينة البصرة، وقبالة مستشفى البصرة العام(الجمهوري) كان سجن البصرة ينتصب منذ سنين ويحتفظ بذكريات مرة لسجناء الحق والباطل!
غريب امر هذه المدينة اذ تستقبل زائريها بسجن ومستشفى، وسيمياء المدينة تشير الى ان النظام قد شيد هذين المبنيين بقصدية، لكن الزائر للمدينة بالتأكيد سيجد ان أهل البصرة طيبون جدا.
بعد السقوط بدا السجن يذوب يوما فيوما.. حتى مسح عن وجه الارض بكامله. وهي إشارة الى ان أهل المدينة لا يرغبون في رؤية منظره الكريه!
(كان هنا سجن) قال لي سائق التاكسي وضحك وعرفت حينها ان السجن ما زال عالقا في ذاكرة الناس.
• مدينة الألعاب..خرائب الألعاب!
أردنا ان تكون مدينة ألعاب المعقل آخر محطة لنا، وقد كنا قبل ان نقوم بزيارتها نرسم لها صورة قريبة من تلك التي رأيناها في بعض الدوائر التي طالتها يد الخراب، لكننا حين وصلناها رأينا الكارثة.
بأي ذنب خُرِّبَتْ تلك الألعاب ، (المراجيح والدواليب، والسيارات والزوارق)؟
ألم يرعبهم كهفكِ المرعب يا مدينة الألعاب؟!
لماذا أُستُأصِلَتِ الأشجار، وكُسِّرَت أنابيب النافورات؟
صحيح ما كانت مدينةُ ألعابٍ مثل تلك التي نشاهدها في الفضائيات عند العالم المتحضّر، لكنها كانت تفي بالغرض فأطفالنا الذين لم يشاهدوا تلك المدن كانت بالنسبة لهم هذه المدينة جنّة الجنائن!! وكان الحصان المقطوع الذنب والدولاب الكهربائي الذي يتعطّل في أكثر الأحيان، والقطار الذي يخترق الحشائش متعةً للطفولة.
هل تستطيع ان تقنع مجنوناً بتلك الفعلة الشنعاء؟
مَنْ أتلف وخرّب مدينة الألعاب؟
لم يسقط فيها صاروخُ حربٍ، لكنّها سقطت في أيدي العابثين الذين ما أرادوا لطفولتنا أن تزدهر.. لم يأتوا من المريخ او المشتري هم أولئك الذين ينتمون الى عوائل وعشائر من هذه البلاد..
أكثر من عام ونصف العام مضى ومدينة الألعاب تحملُ أماني الأطفال وتستحي من رؤيتهم بخرائبها وحطامها وغبارها!
لا تدعوا أطفالكم يرون المشهد، فذاك سيزيدهم حنقاً..
لا ينفعُ تأنيب النفس ونردد مع أنفسنا أننا لو كنّا نمتلك شيئاً من الحضارة لحافظنا على هذا المركز الحيوي ولكن اليد التي حرقت المكتبات والجامعات ومحطات الكهرباء سهل عليها جداً ان تحرق مدينة الألعاب!!.
• اعمار المدينة.. ترميم المدينة :
منذ أكثر من عام والعراقيّون يسمعون بخطط إعمار بلدهم، والبصرة واحدة من المدن الكبيرة التي تعرضت لدمار هائل منذ الحروب الثلاث.. وفي لقاء مع ضابط إنجليزي من القوات المحتلة قال: (قبل الحرب وحين مررنا بمدن دول الخليج النفطية كنا نقول اذا كانت هذه المدن وهي صغيرة بهذا الجمال فكيف بمدينة كبيرة مثل البصرة.. لابد اننا سنرى جنّة هناك!! لكننا فوجئنا بمدينةٍ خربة) هذا الكلام لم يصبنا بالدهشة قدر دهشته هو، وهو ما يبرر قبولنا بسقوط النظام بالطريقة التي جرت عليها وهي طريقة لا ترفع رأساً ولا تحفظ ماء وجه.
مسألة الاعمار لم تعد سوى تصريحات وتبريرات والكلّ يقول أن الشركات واقفة عند عتبة العراق وهي على أهبّة الاستعداد لبنائه، ولكن لم نشاهد الا ترميماً في هذا المبنى البسيط أو ذاك المتهاوي، وبقيت خرائب الحروب على وضعها تذكرنا بمآسي الأمس القريب ولعمري أن الاعمار لا يكون جدّياً الا بعد أن يشعر (المُعمِّرون) أن أموال العراق ليست مشاعاً وأن كل دينار وراءه صرخة طفل ودمعة أم عراقيّة فقدت أحبّتها ولا بد أن نبدأ باعمار نفوسنا قبل المباني!.. وان لا يأتي اليوم الذي نحتاج فيه الى لجنة نزاهة تزكّي هذا المدير وتراقب ذاك مع علم الجميع أن رئيس هذه الدائرة أو المنظمة المهنية لم يمتلك في يوم سابق من زمن النظام السابق مبلغ استكان الشاي لنجده اليوم وقد تبدّل حاله من حال الى حال وسبحان مُبدِّل الأحوال!!.
• وماذا بعد :
ستبقى الخرائب شواهد زمن الدمار وهي مثار تساؤل كثير من أبناء المدينة: ألم يحن الوقت بعد لتنظيف وجه المدينة من الدمار الذي لحق به بعيداً عن خطط الإعمار التي قالوا لنا أنها لن تتحقق الا بعد القبض على صدام، وعندما ألقي القبض عليه قالوا أنها لا يمكن ان تتحقق الا بعد القبض على أبي مصعب الزرقاوي ولا نعلم أي اسم سيأتي فيما بعد في لائحة الحجج الواهية لإعمار العراق.
ارحموا العراقيين أيّها العرا.........قيين!