السيرة الشخصية
شعر
روايات
مقالات
مسرح
تحقيقات
رسائل
آراء
تقارير اذاعة العراق الحر
اصدارات
النشر في المواقع
ملفات فيديو
في نقابة الصحافيين
جلسة وفاء عبد الرزاق
جلسة محمد صالح عبد الرضا
في قناة الحرة عراق
الموسيقار علي نجم
تكريم بيت الحكمة
 

صور متفرقة
مسرحيات 2012
عنبر سعيد رواية 2010-2012
كل جسدي مشاع
لا احد قبل الاوان -شعر 1998
مخابئ- شعر 2000
مخابئ -الغلاف الاخير
قراءات شعرية

موناليزا - مسرحية من فصل واحد


الشخوص
1-الزوجة
2-الزوج
3-موناليزا

(مشغل صغير للرسم داخل البيت، عدة لوحات معلقة على الجدار، في زاوية منه مكتبة صغيرة، منضدة خشبية تتوسط المكان عليها أوراق مبعثرة ، كرسيان صغيران، علب مختلفة لأصباغ متنوعة عدة الرسم في جانب منها..)
الزوجة:(تدخل وهي تحمل مكنسة للتنظيف،امرأة في الخامسة والثلاثين من عمرها، تقوم بتنظيف المكان،ترفع الاوراق المبعثرة من المنضدة، تحدق بها، تبتسم ساخرة) يا لها من خطوط غريبة، شبكة من الخطوط المتقاطعة،عمود هنا وآخر هناك... هكذا انت، كل أشيائك تبدو مستقيمة، حتى افكارك، تبدأ بنقطة وتنتهي باخرى (تصمت قليلا وتفكر) آه، هي هكذا فعلا، الأفكار، تبدأ بنقطة وتنتهي بأخرى (تضحك) ومشاجراتك أيضا، تبدأ بنقطة وتنتهي باخرى، عالم غريب عالمك، لكنني تعودت عليه (تستدرك) بل ارغمت على تقبله (ترفع قدح الشاي الموجود على المنضدة) تصوروا، لا يشرب الشاي الا بارداً.. وربما قال لي (تقلده) ضعي عليه يا زوجتي العزيزة (تضحك) هكذا يناديني ان احتاج شيئاً، (تقلده ثانية) قطعة من الثلج..(تنظر الى القدح) لكنه ان غضب يقلب الدنيا على رأسي ويقعدها (تمسك رأسها وتتحسسه) تصوروا، احتملته سنيناً لكنه لم يستسغني ساعة.. ربما مزاجه الفني يجبره على ذلك.. نرجسيته في رؤية عالمه الخاص (تضحك)
(صوت ارتطام شيء في الخارج، تركض الزوجة حيث الصوت لكنها لن تخرج من المكان)
الزوج:(يدخل غاضباً، يمسك نظارته الطبية بيده وهو يمسحها بمنديل، رجل في الاربعين من العمر، ينظر الى الزوجة، يضع النظارة على عينيه) قلت لك ألف مرة لا تضعي الاشياء في طريقي..
الزوجة:(معتذرة)آسفة يا عزيزي ما حسبتك تنهض مبكراً..قلت أبدأ بتنظيف المرسم اولاً اما اواني المطبخ فتركتها لوقت آخر...
الزوج: وها انذا لم ابقِ لك شيئاً للغسل، هيا اذهبي وارفعي بقايا اقداحك المهشمة...
الزوجة: ماذا...؟ هل كسرت جميعها..؟
الزوج: (ساخراً) حمدا لله لم تكسر ساقي ايضاً..
الزوجة:(تركض الى داخل البيت)
الزوج:(يتأمل المشغل) ليكن الله في عوني، عشرون عاماً (يضحك)ومحكوميتي لم تنتهِ..يقولون ان المتزوجين اكثر سعادة من العزب(ساخراً) يا لها من سعادة طافحة!
الزوجة:(تدخل وبيدها بعض الاقداح المكسورة)انظر لفعلتك، حقاً لم تبقِ لي شيئاً اغسله...
الزوج(ضاحكاً) ألم اقل لكم ان المتزوجين اكثر سعادة....
الزوجة:(مقاطعة) دع حكمتك جانباً واجبني...
الزوج:(ساخراً) بماذا اجيبك يا زوجتي العزيزة..؟
الزوجة:(بعصبية) أتسخر مني..؟هذه مكافأتك لي لمحافظتي على بيتك..؟
الزوج: بيتي..؟!
الزوجة:(تستدرك) بـ..بـ.. بيتي و... بيتك!
الزوج:(ضاحكاً) هذه معاددلة الحياة الزوجية الرجل يكسر والمرأة تصلّح!
الزوجة: حسن اعترفت وهي فضيلتك الوحيدة، والان، قل لي متى ستعوض ما كسرته..؟
الزوج:(يفكر)....
الزوجة:(مستغربة)وتفكر ايضاً، هل من داعٍ للتفكير..؟
الزوج: لاشيء نفعله دون تفكير والا ما اهمية ما نفكر فيه (يبتسم)بالتأكيد انت لم تفهمي شيئاً، ولكن لا عليك، بعد ان التقيها ساعوض كل شيء...
الزوجة:(بانفعال) تلتقيها....؟!
الزوج: واحدثها في أمر يعنيني..
الزوجة:(صارخة) يا لخيبتي، بعد كل هذا العمر تكافأني بضرّة..؟
الزوج:(ضاحكاً) بل انت التي تكافأينني ببلاهتك.. هذا كل ما تفكرن فيه، معشر النساء، ابتسامتنا تعني لكن ان هناك امرأة اخرى، عزلتنا تعني لكن اننا نفكر بها، وتهندمنا يدل على موعد غرام..سيل من الكلام الفارغ (يضحك) ليكن الله في عوني وعون من مثلي..!
الزوجة:(ثائرة) غطيها.. غطّي فعلتك الشنعاء بالسخرية، قل انك مللت مني ، قلها، بل قل انك لم تعد تطيقني، يالخيبتك منى، هذا هو قدرك في ان تقضين ما بقي من عمرك وحيدة، بعيدة عن كل شيء...
الزوج:(يمسح على رأسها مواسياً) ما هذا يا زوجتي اللطيفة، انا امزح معك...
الزوجة:(تبعد يده عنها) بل لم ارك صادقاً الا في هذه المرة، زوجي واعرفك، اعرفك حين تسخر، واعرفك حين تكذب، وتمزح...وحين تكون صادقاً.. وكلامك هذا لا يعني الا شيئاً واحداً...(بصوت عال) هناك ضرّة في مكان ما...
الزوج: مكان ما..؟! يا لسذاجتك....أين..؟ انا معك في هذا البيت ولم اغادره الا لقضاء طلباتك، كيف استطيع ان اخفي امرأة ثانية في مكان ما...؟
الزوجة:(ببكاء مصطنع ومبالغ فيه) ربما تلتقيها عبر الهاتف..!
الزوج:(ضاحكاً) بربك هل سمعتي ان احداً تزوج عبر الهاتف..يا لها من زيجة مذهل..زوج عبر الهاتف(يضحك ساخراً) يصلح عنواناً لفلم درامي.. اشكرك عزيزتي على هذه الفكرة الرائعة..زواج عبر الهاتف..لا يكلف شيئاً سوى قائمة اجور الهاتف وكل ثلاثة اشهر(مبتسماً) سعادة مجانية، لا اوامر، لا طلبات، ان طلبت مني شيئاً اخبرها ان الصوت مشوش ولم اسمعها، زواج سهل، يكفي ان ابدّل رقم هاتفي ليحدث الطلاق..(مؤكداً) وبالثلاث...(يضحك) حسناً يا زوجتي العزيزة سافكر في هذا ايضاً.. قد يخرجني من الرتابة التي اعانيها منذ سنوات...
الزوجة:(غاضبة) وأنــــــا...؟
الزوج:(ضاحكاً) ادعك تتزوجين غيري(يصمت ومن ثم بتحذير)ولكن...عبر الهاتف..اكرر، عبر الهاتف فقط (يضحك)
الزوجة:(ترمي الاقداح على الارض غاضبة)كفى، كفى، الا تخجل من نفسك.. تطعنني وانا زوجتك..؟
الزوج: حاشاك يا حياتي، (يقترب منها ويلاطفها) لنترك الشجار الممل ولندخل في الموضوع ، ساغير طقم الاواني جميعه..
الزوج:(ضاحكاً) متى ماذا...؟ أتزوج..؟
الزوجة:(بغضب شديد) قد افقد صوابي و........
الزوج:(مقاطعاً وبغزل) ما اجملك وانت غاضبة، احمرار وجنتيك وبريق عينيك وانفلاق شفتيك عن مفردات عذبة...غيرتك تسحرني تبدين كموناليزا...
الزوجة: اللعنة على كل لوحاتك..!
الزوج:(ينظر في المكان) ولكني لم ار موناليزا ..اين هي..؟
الزوجة:(بكبرياء) رميتها هناك..في المخزن..
الزوج:(يتركها راكضا حيث المخزن)
الزوجة: (مع نفسها) معقولة..! هي ذاتها موناليزا..تلك التي يتحدث عنها وتشغله، اذن، كان يسخر مني.. حسناً يا زوجي العزيز ضرّتي معي في بيتي لتجعل مني معتوهة ... حسناً، انتظر مني مالا تتوقعه ابداً.. (تقف منتصبة) أعلنت الحرب أنت وعليك ان تتحمل أوزارها.. (تذهب الى الداخل)
الزوج: (يعود حاملا لوحة موناليزا وقد رسمت بالحجم الطبيعي، يضعها على المنضدة، يتأملها، يجلس قبالتها) معذرة ساحرتي، تركتك بعض الوقت هناك، المسكينة زوجتي لا تعرفك جيداً.. ربما هي تغار منك ايضاً.. فاعذريها..! (يصمت قليلا) لحظة من فضلك، سأوقد شمعتك حالاً.. (ينهض حيث الشمعة الموضوعة في ركن المشغل، يوقدها، يطفئ أنوار المشغل، يعود الى مكانه) البارحة تحدثت واياك عن شيء اسمه الجمال، لكن المسكينة زوجتي قطعت علينا خلوتنا، وباغتتني بتساؤلاتها التي لا تنقطع (يغمض عينيه ويتأمل) والآن، هل لك بعض الوقت لنصلح ما افسدته زوجتي..!
موناليزا: (تخرج من اللوحة وتقف بجانبه)
الزوج: (يفتح عينيه مستبشراً)
موناليزا: الجمال يا سيدي موجود في كل مكان، في أنفسنا ثمة جمال، في أشيائنا هناك جمال.. في أمكنتنا التي نحبها وتلك التي نكرهها ثمة جمال.. في ملامحنا ايضاً، الجمال شهرزادنا التي نحتفي بها، نعانقها، نتشاجر معها، نحبها، نمقتها (تمسك بعض الأوراق من المنضدة) بين خطوطك المتشابكة هذه ثمة شيء يرتقي للجمال، احبارك، أوراقك، فرشاتك، اصباغك الملونة، اشياؤك المتناثرة هنا وهناك لها جمالها.. كلامك وايماءاتك، نظراتك، ثيابك النظيفة والمتسخة، أناملك حين تتشبث بشبق مجنون لها جمال.. الجمال يا سيدي شيطان يغوينا ويستدرجنا بهدوء لاقتراف أعظم الآثام والفضائل!
الزوج: اذن الجمال يحتويننا، ولا مفر منه، كما لا مجال للقبح فينا..
موناليزا: (تبتسم، تقترب من الشمعة حيث تضيء نصف وجهها ليتناثر الضوء بين خصلات شعرها) القبح يا سيدي هو ندّه السقيم..
(صوت الزوجة يسمع من الخارج)
الزوج: (ينهض مستعجلاً ويضيء المشغل)
موناليزا: (تختفي في اللوحة)
الزوجة: (تدخل حاملة ابريق الشاي، تضعه فوق المنضدة) جلبت لك الشاي.. (تنظر الى الشمعة التي ما زالت تضيء) اخبرتك ان التبذير يخلّ بميزانيتنا، ربع دزينة من الشموع تكفي لشهرين وها أنت ذا تستهلك واحدة دون أي مبرر.. ألا يكفيك ضوء الله كله لتوقد شمعة..؟
الزوج: (يضحك وهو يتناول ابريق الشاي ليملأ القدح القريب منه وسط استغراب الزوجة) لم اوقدها ابداً، ربما هي التي أشعلت نفسها.. مثلك تماماً حين تشتعلين غضباً ولم تك لي يد في اشعالك....!
الزوجة: (باستغراب شديد) يا الهي، فعلت ما لم تفعله طيلة وجودك معي..
الزوج: صدقيني لم اشعلها.. هي التي اشتعلت بنفسها..!
الزوجة: (غاضبة) لا اكلمك عن الشمعة.. بل اتحدث عنك..
الزوج: تتحدثين عني..؟ ما بي..؟
الزوجة: (بدهاء) ارتباكك جعلك تفقد صوابك لتفعل ما لم يكن من ضمن عاداتك..ألا ترى انك تصب الشاي بنفسك دون ان تطلبه مني..
الزوج: (ينظر الى القدح المملوء، بضحكة مصطنعة) حسناً يا زوجتي العزيزة، لكي احترم عاداتي ضعي أنت قطعة الثلج في قدحي...
الزوجة: اخيراً تذكرت، انك تمسرح اخطاءك، تظنني لم اكتشفها، تأكد يا عزيزي (بثقة واصرار) ان لي حاسة لن تخطئ أبداً..
الزوج: (ساخراً) ليتك تسخّرين حاستك لأشياء نحتاجها لا لأشياءٍ تافهةٍ..
الزوجة: (تضع قطعة من الثلج في قدح الشاي) وتسمّي حرصي على مستقبل حياتنا الزوجيّة اموراً تافهة..؟
الزوج: (مستدركاً) ربما هكذا تبدو، مصطلح شائع عن حياة كهذه..!
الزوجة: سمعت من زوج منال ابنة أختي ذات يوم أنه يعيش حياته الزوجية شهر عسل دائم رغم مرور خمس سنوات على زواجهما..
الزوج: (ضاحكاً) هكذا كنت أظنها أنا أيضاً حتى السنة العاشرة، لكني بعد فوات الأوان اكتشفت الحقيقة..
الزوجة: تنفجر غضباً)أوووه..لم يزل هناك متسع من الوقت كي تخرف..
الزوج: (يحتسي الشاي) وأنت... الم تكتشفي بعد الحقيقة..؟!
الزوجة: ثرثرتك هذه ايها العزيز تجعلني اكتشفها حقاً..
الزوج: (يضع قدح الشاي على الطاولة وينهض مهللاً) اعتراف خطير من زوجتي العزيزة... ما نشيت بخط عريض أحمر، الزوجة تكتشف بعد عشرين عاماً خدعة زوجها..برم..برررم..بررررم...!
الزوجة: (تنظر الى لوحة موناليزا وتقترب منها ، تحدق فيها، تتحسسها بهدوء ورويّة، تمسح شعر موناليزا بيدها اليمنى بينما تصفف شعرها باليد الأخرى)
الزوج: (يراقبها، ينهض ويقف خلفها دون ان تنتبه له) جميلة.. أليس كذلك..؟
الزوجة: (بارتباك) ها... ليست أكثر جمالاً مني حين كنت بعمرها..!
الزوج: الفرق بينكما أنك كبرت بينما احفظت موناليزا بشبابها..
الزوجة: (بغيرة) مجرد لوحة... خطوط وألوان قد تفقد رونقها بعد حين...
الزوج: (مؤكداً) لكنها لن تفقد أهميتها أبداً..
الزوجة: (تحدق في اللوحة أكثر) زوجة من...؟!
الزوج: (ساخراً) الابداع.. لا أحد سواه، رسمها دافنشي..
الزوجة: هل هو صديقك...؟
الزوج: ربما سيكون صديقي لو عشت معه في روما، لكن لم يحالفني الحظ في ذلك أيضاً..
الزوجة: (تبتعد عن اللوحة) ها قد عدت لسخريتك، سامحك الله، أنا ذاهبة، انتظرك في الداخل... (تذهب)
الزوج: (يهز راسه موافقاً وهو يبتسم... ينهض، ينظر الى الخارج ليتأكد أن زوجته لن تراقبه، يعود الى اللوحة، يخرج منديلاً ويمسحها..يتحدث مع اللوحة) ماذا افعل.. أنها تقضّ خلوتي ولكن لا تنزعجي سيدتي، هذه المرة سأغلق الباب بالمزلاج.. (يذهب كي يغلق الباب لكنه يفاجأ بدخول الزوجة).. أنت ثانية....؟
الزوجة: هل من ضير في ذلك..؟
الزوج: ضير..؟ لا...لا يا عزيزتي (يبتسم) حللت أهلاً ونزلت سهلاً..
الزوجة: (بدلع) جاء بي الشوق اليك..!!
الزوج: (مع نفسه) هدوء يسبق العاصفة....
الزوجة: (بغنج) ماذا قلت يا زوجي العزيز...؟
الزوج: ها... حقاً ، حقاً.. بي من الشوق أنا أيضاً اليك ما يكفي لحرق غابة...
الزوجة: (مع نفسها) نفاق ليس إلاّ.... ليتك قلتها بصوت عالٍ..
الزوج: ماذا قلت يا زوجتي العزيزة...؟
الزوجة: قلت....ها.... قلت أن للأشواق مذاقاً غريباً...
الزوج: (ضاحكاً مع نفسه) تذوقته قبلك فتقيأت!
الزوجة: (تسترق السمع له وتسخر منه) المزاح لا يليق برجل تجاوز الاربعين مثلك..
الزوج: وهل يليق بك عزيزتي..؟
الزوجة: (واثقة) طبعاً يليق بي ذلك لأنه أي المزاح ينسجم وعمري..
الزوج: (ساخراً) ينسجم..! آه ينسجم.. لِمَ لا ينسجم.. (مقترباً من لوحة موناليزا، يتأملها...)
الزوجة: (تتبعه، ثم تمسكه من يده) تعال هنا.. خير لك ان تنظر لي بدلاً من شراهتك البائسة.. مثذ اهداك زملاؤك في المدرسة هدية التقاعد هذه (تشير الى اللوحة) وأنت تحدّق فيها... وفي كل مرة أراك كأنك تراها لأول مرة..
الزوج: (دون ان ينظر الى الزوجة) اصبت في هذا أيضاً..موناليزا هذه تتجدد كل يوم.. اشراقتها لا تقف عند حدود، كل يوم أراها بوجه جديد وبملامح اسطورية..
الزوجة: (تتظاهر باللامبالاة) هكذا أنت ان اقتنعت بشيء لا تتركه حتى يفقد ملامحه بين يديك..
الزوج: الا موناليزا...التأمل فيها يزيدني ألفة ويزيدها اشراقاً..
الزوجة: من يسمع كلامك هذا يظنك مجنوناً.. هل تنقصك الألفة في بيتك كي تزيدك هذه الفة...؟
الزوج: (محاولاً اغاضتها) حدّقي بها، وتمعني ولكن.... ايّاكِ وغيرة النساء المقيتة..
الزوجة: (عابسة) غيرة...؟ أنا أغار من هذه... ليست سوى لوحة يكسوها الزيت .. أما أنا أمرأة من عنفوان..
الزوج: (مع نفسه) ابليس.. واعوذ بالله منك...
الزوجة: ( تدنو منه اكثر وتسترق السمع) ماذا قلت يا عزيزي..؟
الزوج: أقبل ما قلتيه، موناليزا مجرد لوحة من زيت.. اما انت امرأة تتدفق شحنة من شباب ورقة وعذوبة..
الزوجة: (تبتسم لاطرائه فتنكس رأسها خجلة)
الزوج: (يكمل) موناليزا مجموعة ألوان وخطوط رتبت بعناية فائقة أما أنت فشيء آخر تماماً .. شيء يختلف كثيراً عنها..
الزوجة: (بميوعة لا تليق بها) واين هذا الكلام الجميل منك... أين كان مخفياً..
الزوج: (بتمثيل) هنا...بقلبي..وهنا، بجوارحي!
الزوجة: (ما زالت خجلة، تهم بالخروج راقصة) حسناً انتظرني هنا ريثما اعود..
الزوج: لكني لم انته بعد..
الزوجة: (مستعجلة) دقيقة واحدة فقط.. (تخرج فرحة)
الزوج: (كأنه ينفض عن كاهله حملاً) أوووف... زوجة ساذجة.. سنوات وأنا استمع لاسطوانتها المشروخة...
موناليزا: (تخرج من اللوحة، تقترب منه باسمة دون ان يراها الزوج) هذا ما يسميه بعض العارفين بهارات الحياة الزوجية..
الزوج: (يلتفت لها مندهشاً)
موناليزا: أتدري أيها السيد.. ان لم تكن الحياة مثلما تحياها أنت لما صار لها طعم...وستكون حياة رتيبة.
الزوج: (ضاحكاً) من هذه الناحية كوني مطمئنة سيدتي فحياتي أصبحت كمأدبة هندية لا يحتملها غيري نار تأكل الأخضر واليابس..
موناليزا: ثمة نار تختلف عن نار أخرى..
الزوج: وناري أنا لا وجود لها في هذا الكون الا هنا (يشير الى رأسه) أترين هذا الشعر الأبيض هو ضريبة حياتي التي لا مفر منها..(يضحك) طبخة نارية من تلك البهارات سببت لي الكارثة..
موناليزا: (تضحك) كارثة..؟! لو انك رأيت الكوارث لحمدت ربك وشكرته كثيراً
الزوج: (يؤشر الى خصلات شعره الأشيب) أكثر من هذه..؟ صدّقيني سيدتي هنا يقبع زلزال أرعن وفيضانات مجنونة وبراكين ثائرة وعواصف لا حدود لها..
موناليزا: 0تضحك وهي تقعد على الكرسي) سامحك الله يا سيد.. انت تتهم المرأة باثارة عواصفك وبراكينك لكنك تتناسى أنك قادر على ان توقف زحف تلك الاعاصير..
الزوج: أوقفها...؟ كيف..؟
موناليزا: (تنظر له بعطف، تنهض وتتحرك داخل المشغل، تتأمل موجوداته) لو أعطيت امرأتك اهتمامك بقدر ما تهتم بأشيائك ما حدث لك كل هذا...
الزوج: أكثر من هذا الاهتمام..؟ عشرون عاماً لم أرد لها طلباً..
موناليزا: لكنك ما كنت يوماً مهتماً بها.. أنت تؤدي خدمات لأناس تعرفهم ، قد يطلب منك متسول أن تعطيه شيئاً.. فتعطيه، أو تطلب منك امرأة ما أن تساعدها في حمل حقيبة فتساعدها، هذا لا يعني اهتماماً بالمعنى الذي أقصده..
الزوج: (يجلس مفكراً)
موناليزا: (تدنو منه أكثر وتهمس في اذنه) كنا نتحدث عن الجمال، أليس الانسجام جمالاً.. ؟ اهتم يا رجل بزوجتك اهتمامك بفرشاتك حيث تمسكها برفق وتحركها بهدوء وتنظفها ان اتسخت...
الزوج: (ضاحكاً) وأبدلها حين تشيخ!!
موناليزا: (تضحك)
الزوج: هي الحقيقة سيدتي حيث لا مفر من الحقيقة..
موناليزا: تلك خصوصيات الأشياء وزوجتك ليست شيئاً كالفرشاة ، بل هي كتلة من الأحاسيس والمشاعر والهواجس لكن هناك مخرج واحد لتعاملها كالفرشاة....

الزوج: هي أن أمسكها برفق وأحركها بهدوء واغسلها ان اتسخت..(يضحك)
موناليزا: هي أن تبث فيها من روحك ومشاعرك وتأملاتك..
الزوج: كيــــف..؟
موناليزا: (تصمت قليلاً) هذا ما لا أجيبه عنه..!
الزوج: (ينهض، يقترب من علبة وضع فيها بعض ألألوان وفرشاة، يمسك الفرشاة بيده.. يتحسسها بانامله)
موناليزا: (تجلس بعيداً عنه)
الزوجة: 0تدخل وقد غيرت ملابسها وتانبت وصبغت وجهها بمكياج مبالغ فيه، تنظر باتجاه الزوج دون ان تنتبه لوجود موناليزا) ها قد عدت اليك يا زوجي اللطيف...
الزوج: (ما زال ممسكاً بالفرشاة يلتفت لها، يندهش، يوزع بصره بينها والفرشاة.. يرمق موناليزا بنظرة تساؤل، يلقي بالفرشاة جانباً ، يقترب من الزوجة، يتأمل وجهها)
الزوجة: (ضاحكة) ماذا أصابك..؟ (تدور حول نفسها وهي ما زالت تضحك) أنا زوجتك.. ألم تعرفني..؟
الزوج: (بدهشة وسخرية) زو...زوجتي (يضحك ملاطفاً) آه زوجتي.. عليها اللعنة...
الزوجة: (تتوقف بدهشة)
الزوج: (مستدركاً) ذاكرتي... عليها اللعنة... نسيت!
الزوجة: نسيت ماذا..؟ لا تقل لي أنك نسيتني...
الزوج: (مرتبكاً) ها...لا..لا أقصد ذلك.. ما قصدته اني نسيت نفسي..
الزوجة: (تدنو منه أكثر حتى تلتصق به) والآن، قل لي، كيف أبدو..؟
الزوج: (يحدق بها ثم يرمق موناليزا بنظرة كأنه يقارن ما بين الاثنتين)
الزوجة: اعذرني يا حبيبي كنت مخطئة حين تركت شؤون البيت تنسيني اهتمامي بجمالي..
الزوج: (مع نفسه) اصباغ عشرين عاماً في صبغة واحدة..! تبدو كمهرجة سيرك..
الزوجة: (تمسك خصلة من شعرها وتقربها من أنفه) غسلته بأفخر أنواع الشامبو..
الزوج: (ينظر الى موناليزا مبتسماً)
موناليزا: (تبادله النظرات)
الزوجة: هيا اعطني رأيك.. أريد رأيك أنت... ألست أجمل من لوحتك تلك.. (تنظر حيث اللوحة تُفاجأ بوجود موناليزا، تتأملها، تقترب منها) هذه أنت.. وهنا في بيتي.. يا لوقاحتك..!
الزوج: (محتجاً) كفى.. هي لم تأتِ أنا الذي دعوتها..
الزوجة: (تسرع الخطى باتجاه الزوج) وتقولها بلسانك... ألم تستحِ.. رجل بينه والقبر خطوة يتصرف هكذا...يا الهي هب لي من رحمتك ما يعينني في محنتي (تصمت، تلتفت حيث تجلس موناليزا، تشير اليها بسبابتها)وأنتِ... ما الذي أجبرك ان تدخلي بيتي..
موناليزا: أنت...
الزوجة: ساذجة أنت ام تضحكين علي..
موناليزا: لست هذه ولا تلك.. (تنظر الى الزوج) تمعّن بزوجتك يا سيد.. ستكتشف اشياءك التي طالما بحثت عنها .. اقترب منها أكثر، دع عينيك تسرحان بعينيها ستجد فضاءك الرحب الذي لم تكتشفه من قبل..
الزوجة: (تصغي لها بدهشة)
موناليزا: انظر لها.. وتأمل هذه الوردة اليانعة..
الزوج: (يقترب من الزوجة)
موناليزا: المرأة يا سيد ليست مطبخاً او سريراً ولا وعاء تنفض فيه اتعابك متى رغبت وهي ليست رغبة زائلة.. المرأة يا سيد نصفك الذي دونه لا يكمل كيانك.. وهي وجهك الذي تحمله اينما ذهبت وبيتك الذي ياويك في ليالٍ موحشة .. المرأة يا سيد كوكبك المنسيّ في مجرات حياتك .. اقترب منها وستجد في بريق عينيها موناليزا التي شغفت بها..
الزوج: (يغمض عينيه ويسرح)
موناليزا: (تقترب من الزوجة حتى تلتصق بها وتختفي في جسدها) موناليزا التي أحببتها وعشت واياها ليال تلاطفها وتحدثها وتستخرجها من اطارها الأزلي لتجلس بين يديك هادئة.. موناليزا يا سيد هي ......
الزوجة: (تكمل بصوتها وقد اختفت موناليزا بجسدها) هي أنا.. زوجتك واعلم ان لكل رجل موناليزا وأنا موناليزاك الأزلية..
اظلام- ستار

البصرة 11 سبتمبر 1996