شيء من الذاكرة

في زمن ما من القرن الماضي، وفي السبعينيات منه، اجتمع ستة فتيان وأسسوا مجموعة صغيرة أطلقوا عليها تسمية (بن أبي اصيبعة).. ولا أدري لماذا اختاروا هذا الإسم وربما أختير بناء على غرائبية الإسم وذكاء صاحبه.. هؤلاء الفتيان اتخذوا من الجزء البعيد من ساحة المدرسة مكاناً لتجمعهم.. فيما كان يوم الثلاثاء (ولا أتذكر لماذا يوم الثلاثاء) يوماً مميزاً لهم.. يقرأون فيه القصائد، والبيانات الساخرة..ويستطلعون التأريخ العربي.. في وقت كان يسجل مراقب الصف أسماءهم في قائمة الغياب.. 
مجموعة (بن أبي اصيبعة) ليست منظمة حزبية.. وليست منظمة تقاضى مبالغ من منظمات المجتمع المدني عن نشاطات وهمية.. هي مزيج من الجنون والطيش البريء.. والحلم بالسفر الى الممكن واللاممكن!!
كان التأريخ حاضراً بين الفتية.. كيف لا واسم مجموعتهم يشير الى من له يد في التأريخ العربي (كما يقال).. لم يكن يدور في رؤوسهم الصغيرة ما كان يحاول مدرس مادة التأريخ أن يقنعهم به.. في أن العرب صنعوا تأريخاً مجيداً.. وأن العراقيين هم أول من اخترع الكتابة واكتشفوا الدواء واللباس الداخلي!!.. كانوا يسخرون من مدرسهم، وهو يشير الى أن شارع الموكب في بابل كان مبلطاً قبل 4500 عاماً.. فيما يرون شوارع الفاو وقد غصت بالوحل والطين والغبار.. كيف يمكن أن تكون هناك حضارة قبل اربعة آلاف عاماً في وقت كان العراقيون فيه يشربون الماء من النهر.. وهكذا كان التأريخ بالنسبة لهم مزحة.. وكذبة كبيرة وضحك على الذقون!.. 
تثيرهم الأسماء: اسماء المدارس، والمستوصفات.. هنا مدرسة موسى بن نصير، وهناك مدرسة الأندلس.. وأخرى مدرسة حمورابي.. ونبوخذ نصر.. واورنمو.. أسماء لا أول لها ولا آخر..
يثيرهم التعصب القبلي، هذا لتلك العشيرة وذاك لأخرى.. لم يكونوا يعيرون اهتماماً لها أبداً في زمن كان سيف القبيلة هو الحكم وبيرقها هو الفنار الذي يسير على هداه الأفراد..
تواقون للسلم والمحبة بين الأفراد.. ينفرون من الكذب والخديعة والتحايل والسحت (رغم ان جيوبهم يغني فيها حضيري!).
كلهم سواسية (كأسنان المشط)، يمتلكون بصيرة نافذة.. يعرفون ما يُضمر لهم لكنهم لا يصرحون به.. ولا يعتبون على أحد ما دام الضرر غير كبير..
نفوسهم نظيفة وعامرة بالحب..محبتهم تغمر كل شيء.. الإنسان والنبات والجماد.. الوطن بالنسبة لهم قطعة خبز وقطرة عرق تنساب من جبين عامل.. والوطنية لحظة وفاء صادقة وليست هوية وقعها مسؤول الأحوال الشخصية وختمها بالختم الدائري (المشكوك بأمره) او بالختم المثلث الذي جاء بديلاً عنه..
يملأون عقولهم أكثر مما يدخل في بطونهم.. ويزدادون حلماً كلما ضاق بهم الزمان..
بعيدون عن التملق ومسح الأكتاف والتسلق على حساب غيرهم.. لا حدود لأحلامهم وأمانيهم.. 
عام دراسي كامل، يعقبه عام آخر.. وعام ثالث.. حتى ساع التخرج والافتراق.. فرقتهم الحرب اللعينة، وتوزعوا مثل خبز الاغاثة على مدن شتى، قريبة وبعيدة.. ومنهم من غاب ولم يعد بعد ان أدخل قسراً في آتون حرب الثمانينيات..
عبد الصمد تزوج مرتين، وماجد هاجر، وشاكر حمود زعيتر ابتلعته مياه الهور وغاب.. والآخرون لا أدري أين حط بهم المطاف.. لكنهم بالتأكيد لم يكونوا ضمن تشكيلة الحكومة الجديدة!
لم تبق الا أوراق صفراء احتفظت بها مع ما بقي من (عفش) بيتنا الذي اكلته شظايا صاروخ زاره ذات يوم من الجارة ايران.. ولأننا لم نتعود غلق باب بوجه قادم فقد كان من السهل ان ينفلق الصاروخ في غرفة الضيوف فمحى معه كل رسوم الصغار و(شخابيطهم) من حائط الطين.. 
مجموعة بن أبي اصيبعة كان يمكن أن تكون حزباً لولا الحرب والخوف معاً.. وان يمكن أن تصدر صحيفة، وتنشئ محطة تلفازية.. تروج أفكارها التي لم تكن سياسية قطعاً.. فهل تستطيع حينها خوض الانتخابات؟
ربما ستتهم بالارتباط بدول الجوار خاصة وأن بن أبي اصيبعة غير عراقي!
ما زالت تلك الأفكار تعيش معي، أفكار ملؤها المحبة والإخلاص للآخرين.. لم أر مثيلاً لها في أي تجمع اليوم.. ولكن، يبقى يوم الثلاثاء قريباً مني للآن، وتبقى تلك الأسماء للذين غابوا تحفزني على أن أكون وفياً للجماعة.. وأبقى حاملاً جنونها معي مهما حييت.
هامش:
(ابن أبي أصيبعة (595هـ – 1198م / 668 هـ – 1270م) هو أحمد بن القاسم بن خليفة، أبو العباس،ابن أبي أصيبعة حكيم فاضل، وطبيب مؤرخ، وأديب عالم، ويعد أبرز أفراد أسرته التي اشتهرت بالطب، اشتهر بذكائه وحسن مداواته للعيون. 
ولابن أبي أصيبعة كتب منها: كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء وحكايات الأطباء في علاجات الأدواء وكتاب إصابات المنجمين وكتاب التجارب والفوائد وله شعر كثير) .

الحوار المتمدن-العدد: 2337 – 2008 / 7 / 9

Share: