من جلباب الديكتاتورية… إلى جينز الاحتلال

في محنتنا الكبرى، محنة الموت المجاني والقتل والتقارير الملفقة، وعيون المخبرين ووكلاء الأمن، لم نكن نابه لشيء إلا للتخلص من ذلك الزمن المؤذي، والنظام الكابوس الذي أكل صغارنا وكبارنا، نساءً ورجالاً، لتخلص من النظام كان أمنية الأماني وصار حلم الناس جميعاً ، من اكتوى بنار النظام ، غربة وقتلاً وتهجيراً … ومن اختار منفاه البعيد ولم ينس ذاك الخيط العظيم الذي يربطه بأرضه وأهله. 
كان الحديث حول الحرب يدور في كل زاوية من العراق ، في البيوت والمقاهي والمعامل ، في المدارس والجامعات وكانت عيون المخبرين ترصد كل شاردة وواردة وترفعها بتقارير إلى جهات أمنية .. يقال أن النظام جند الآلاف من اجل ان لا يقوض أساسه ، وهو يعلم جيداً أن الملايين من المحرومين والمضطهدين ينتظرون لحظة سقوطه. 
في السنوات التي سقوط النظام كنت اعمل مصوراً جوالاً في مناطق البصرة وحاراتها وكنت ادخل البيوت بيتاً بيتاً … بحيث ان علاقتي مع عدد من العوائل قد تعدت المصور وزبائنه… صرت أشكل معهم عائلة .. احضر أفراحهم وأحزانهم ، اجلس معهم. 
أتناول وجبة عشاء ، او احضر خطبة احد أبنائهم ، صرت واحداً منهم، ولأنهم يعيشون في بيوت اغلبها من الصفيح فقد كنت أتعاطف معهم حتى وصل الأمر إلى الإعلان جهراً بمعارضة جميع ممارسات النظم القمعية ولا أنسى ابداً تلك اللحظة التي حضر فيها (المحافظ) إلى شقق الموفقية ليبلغهم قرار دولته بطرد العوائل من الشقق وتسليمها لآخرين، كيف استقبلته العوائل بالامتعاض حتى وصل الأمر إلى ان الصغار قذفوه بالحجارة!! 
قال رجل: يردوننا ان نترك هذه الشقق ..! 
قال آخر : والله لن نخرج منها الا ميتين. 
وقالت امرأة : (ما كفاهم من اخذوا عيالنا من بيوتنا!)
هذا الامتعاض ولد حالة من الهيجان، والغريب في الأمر ان بعض (الرفاق) من الذين يسكنون ذات الشقق كانوا ينفذون أوامر (قيادتهم) ضاربين عرض الحائط تلك العلاقات الإنسانية التي من المفترض ان تجمعه مع الناس ! أولئك الرفاق ما كانوا ليجرأون ان يسيروا متفردين في تلك المناطق .. وأكثر غرابة انهم ينعتون سكنة تلك المناطق بالـ(غوغائيين!!). 
مرة قال لي بعض شباب منطقة شقق الموفقية:
– انظر لقد بنوا في ساحة كرة القدم فرقة حزبية لكي يحرموننا من ممارسة لعبتنا المفضلة . 
وقال آخر : لن ندعهم يهنأون بمبناهم!
تلك الكلمات التي كيف اسمعها جهراً، وكان الشباب أكثر حزماً على مقارعة أزلام النظام .. 
وفي المقهى كان الحديث يدور حول النظام القادم الجديد. 
وكنا نحن أدباء لمدينة ، نتوقع ان امراً عظيماً سيحدث وكان كل واحد منا يدلي بدلوه حسب نظرته للأخبار والأمور ، وكنا نتفق جميعاً على ان نهاية النظام قريبة جداً. 
يوم احتفلنا بصدور مجموعة الزميل الشاعر ثامر سعيد آل غريب -حدثني الملك الظليل- ، وقطعنا (كيكة) الحفل بحضور عدد من أدباء المدينة : (القاص الكبير كاظم الاحمدي، الدكتور فاخر الياسري، الدكتور رياض الاسدي، الشاعر عبد السادة البصري، الشاعر احمد العاشور، وآخرين) ليعذرني الأصدقاء الذين شاركونا الحفل.
يومها كنا نتمنى ان نحتفل ذات يوم بعهد جديد وكانت الأماني تقافز أمامنا مثل فقاعات ملونة ، لم نبح بشيء الا لبعضنا فالموت قريب من، بل هو على مبعدة أريكتين من أرائك المقهى، يتجلى في عيني (ابو عقيل) رجل الأمن النشيط الذي اقتاد ذات يوم زميلنا الصحفي والشاعر الشعبي محمد جواد الدخيلي إلى غياهب مديرية الأمن أو ما كان يسميها أهل البصرة (الليث الأبيض) رغم أنها لم تكن ليثاً ولا بيضاء إطلاقاً!!
بعد أربعة اشهر من توقيفه أو سجنه، صدر عفو صوري لبعض السجناء وكان من بينهم زميلنا الدخيلي ، يومها زرته وهنأته إذا أنجاه الله من مخالب وحوش السلطة .. قال لي ضاحكاً: 
– أتدري ، أن (رجلي) (خضرة) على السجناء؟ 
– كيف 
– لأني أخرجتهم من السجن! 
و (الرجل الخضرة) أو (القدم الخضراء) في موروثنا الشعبي هي تلك القدم التي ما أن تطأ مكاناً حتى تحييه!
في تلك الأيام ، بدأت حشود الاميركان وحلفاؤهم تملأ صحراء الكويت والسعودية ، وبدأت معها الإشاعات في ضربات كيمياوية أو نووية .. جمد الخوف أوصال مدينة البصرة ، وراح الناس يتسابقون في الحصول على المواد التموينية المهمة رغم ان أكياس الطحين قد تكدست في البيوت من الحصة التموينية. 
وكان الطلب على (الشموع) و (النضائد) كبيراً، لان انقطاع التيار الكهربائي محتمل جداً، اشتريت كما الناس علبة كاملة من النضائد لاستمع إلى أخبار الحرب الوشيكة.. 
حينها ، حفرت الخنادق في الساحات، وفي الأزقة وما بين البيوت وأخفيت بعض الصواريخ الكبيرة في البساتين والأنهار ، كان الخوف من انفجار تلك الصواريخ كبيراً لم يستطع احد ان يمتنع من ان توضع تلك الصواريخ في بستانه، أو قرب بيته .. قال لنا الفاويون أفراحاً من الجيش وضعوا بعض الصواريخ بمحاذاة البيوت ليحافظوا على قدرتهم العسكرية !! 
وفوق كل هذا ، كانت فرق الإعدام تأخذ مواقعها في السيطرات العسكرية لإلقاء القبض على أي جندي يفر من ميدان المعركة.. والسؤال الذي يتبادر في الذهن: أين هو ميدان المعركة؟ 
كل مساحة العراف غدت ميداناً للمعركة .. المعركة التي نعرف نحن نتائجها مسبقاً .. هزيمة ودمار! 
حوطت المدن بأنفاق ملئت بالنفط ، وقيل ان النظام سيقوم بإشعالها إذا ما تجرأت القوات الاميركية واخترقت الدفاعات الاضية، والغمت آبار النفط، وبدت البصرة أنها مقدمة على حريق لا انتهاء له… حريق أعظم من حريق روما! 
بدأت المناشير التي تلقيها الطائرات الاميركية بالانتشار سراً بين الناس ، لان النظام آنذاك أصدر امراً بجمع كل المناشير في الفرق الحزبية وحرقها مجتمعة في احتفالات أشبه برقصة ما قبل الموت! لم يسلم الناس أي منشور لهم خشية ان يتهمونهم بالعمالة وهكذا راح الناس يتنذرون وينظرون لحظة الانقضاض الكبرى، ومنهم من احتفظ بتلك المنشورات للان كذكرى ربما تنفع في التذكير بماسي زمن الدكتاتورية في اللحظة التي دق فيها جرس البدء بالحرب ، ومع اقتراب قوات الاحتلال لأول مدننا الجنوبية، فر (الرفاق) من مواضعهم ومتاريسهم التي وضعوها في الشوارع والتقاطعات ولم يبق منهم احد في ظل وضع صعب، تتقاذفه أصوات طائرات الغزو وقذائفه والإشاعات المتلاحقة فرغت المقار الحزبية والبنايات التابعة لها تماماً الا من عدد ضئيل جداً منهم ، أما البقية فقد خلعوا بدلاتهم العسكرية واكتفوا بالاختباء في بيوتهم. 
بدأت الحرب وبدأ الغزو وبدأت معها مدن العراق تتساقط واحدة تلو الأخرى، لم تبق ارض لم تطأها (بساطيل) قوات الاحتلال وراحت بعض الصحف تنشر صوراً لجنود اميركيين وهم يطعمون اطفالاً صغاراً ويقدمون لهم البرتقال والتفاح والموز ، صوراً نشرتها صحف عراقية وعربية وكأنها تريد ان تردد ما قالها الجنرال مود في حملته لاحتلال العراق في الحرب الكويتية الأولى : لقد جئناكم محررين ولسنا فاتحين!! 
بم يمض إلا بضعة شهور وقوات الاحتلال تبدأ مرحلة جديدة من تدشين سجون عراقية عتيدة مثل سجن أبو غريب الرهيب ، وسجن بوكا وهناك أخبار بشروا الناس بها ببناء اكبر سجن في الشرق الأوسط في مدينة الناصرية. 
ولان الناس في العراق لم يروا من (بركات) الاحتلال شيئاً فقد راحوا ينتظرون حكومة وطنية تنقذهم من ورطة القوات التي حلت بين ظهرانيهم وجنود الغزو من جانبهم راحوا يعيشون في الأرض فساداً بدلاً من ان يقدموا لنا شيئاً من حضارتهم وعولمتهم ، فظهرت فضائح سجون الاحتلال فضائح ابو غريب . وفضائح بوكا وفضائح الشوارع التي ملئت بالغضب العراقي وردت بالعنف .. كل ذلك يحدث أمام أنظار تلك القوات التي خلصتنا من الديكتاتورية لتدخلنا في (معمعة) الغزو. 
وبين فينة وأخرى تنشر الصحف العالمية صوراً لانتهاكات قوات الغزو والاستهانة بالمواطن العراقي صور لا يمكن ان يرضاها احد. 
وإذا كنا قد رضينا باميركا مخلصة فها لا يعني اننا نرضى بان تقتل فينا وتسجن أولادنا وتعبث في مدننا. 
الحضارة التي انتظرناها من الاميركان لمسناها في تصرفات جنودها وهم يخترقون نظام المرور ويقطعون الطرقات، ويداهمون البيوت. 
و… و… و… تلك الحضارة جعلتنا نعض على النوابض وننتظر زمناً قد يكون أفضل بعدما خرجنا من جلباب الديكتاتورية ليلتهمنا جينز الاحتلال!!! 

الحوار المتمدن-العدد: 1567 – 2006 / 5 / 31

Share: